سفن قديمة
قطعة
إن السعادة هي الهدف الخقيقي الإنسان، حتى لو راح يحققها للآخرين. وإننا نبحث عن السعادة ولو عن طريق الكذب. لكن
هذا المشرب السكندرى العتيق لا يعلق صورا للمشاهير. رواده يعرفون أن صاحبه يونانى ترك الإسكندرية إلى أثنا في أواخر الخمسينيات. الحقيقة أنه بدأت موجات هجرة واسعة من الإسكندرية بعد حرب 1952. كان اليهود هم أول المهاجرين وأكثرهم. ولا أحد يعرف لماذا هاجر اليونانيون الإيطاليون والقبارصة. لقد احتفظ صاحب المحل الجديد، السكندرى المصرى، بالصور القديمة للمحار وأسماك البحر والسفن الشراعية مبحرة في الآفاق تحت الغيوم، وسفن أخرى في يوم صحو يرقص حولها الدلافين لا هية. كنت أحب البحر وأحلم بالعمل فوقه لكن لم يتركنى البر.. هكذا كان
-لحضرتك أخ اسمه إدريس؟
-أنا إدريس
هذا ما حدث بالضبط. سألته السؤال الذى ظللت بعض الوقت مترددا فيه وأحاب هو في اللحظة نفسها كمن ذلك! ابتسمت وشعرت بارتياح غريب برغم أنى لم أكن متضايقا من قبل!
-لقد عرفتك من صوتك
-لكنى لم أتحدث
-لقد أجبتنى على الأقل
ضحك ضحكة قصيرة واحمر وجهه. سألته
-هل تعرف كم مر من السنن؟
-عشر
-تسع
عاد يضحك ويحمروجهه. قلت
-لم يكن قد تزوجت بعد
ورأيت عددا من الأطفال يتطلعون إلينا من خلف الزجاج. عيونهم صغيرة لاتستقر. كانوا في البداية طفلا واحدا انضم إليه آخر ثم ثالث ثم راحوا يزدادون. يتطلعون إلينا ويبتسمون في دهشة حقيقية
-كنت وأنا في سنهم أفعل مثلهم
-الأيام تدور
-لكنى كنت لا أكتفى بالنظر
-الأجيال الجديدة جبانة<
أدهشتنى إجابته. وكان ابنه يبادل الأطفال الابتسام. وسكتنا قليلا ثم قال
-لقد طلقتها في اليوم التالى لوصولى
-من هي؟
-زوجتى. ألم تسألنى عنها الآن؟
لم أكن قد سألته لكنى قلت
-أجل
-سافرت أعمل في ليبيا وعدت لأجدها على علاقة بشخص آخر. أخذت الولد معى
أشار إلى ابنه الذى كان لا يزال مستغرقا في مبادلة الأطفال الابتسام واستمر يتحدث
-حضرت من ليبيا يوم سبعة وعشرين وطلقتها يوم ثمانية وعشرين، أنا لا أنسى ذلك اليوم
كان الولد قد تركنا فجأة وخرج ليقف يتحدث مع الأطفال ويشير إلينا معهم، ويبتسم مثلهم وتزداد ابتسامتهم من خلف الزجاج، وتشرق أكبر. فجأة تناقصوا. شيئا فشيئا تناقصوا حتى صاروا ثلاثة مع الولد، ثم عادوا يزدادون. وهكذا مثل موجات متعاقبة كانوا، ودائما في مثل هذه الأيام الشتوية الدافئة. وأحسست بالضيق فجأة من حديثه وسألته
-هل ستعود إلى ليبيا من جديد؟
-ربما. لكنى افتتحت محلا للأثاث في شارع خالد بن الوليد. المحل القديم الذى بعته قبل الجواز، كان يخسر كثيرا
ابراهم عبد المجيد، سُفن قديمة، الطبعة الأولى، ميريت للنشر والمعلومات،القاهرة، 2001
|