درب إلى خائن
قطعة
...
خفيفا... وكانت ثمة أنسام باردة تمر برفق عبر العريشة، وتعطي الجو قداسة
خاصة. لم اكن أحس برغبة في الكلام أو السماع، كنت اريد أن انظر فقط... ورغم ذلك فقد احسست غبطة ما عندما سمعت صوتا يأتي من العلية الخشبية
المقابلة
ـ لا ينقص هذا الجو الا صوت فيروز
لم اشك في ان المتكلم هو سائق سيارة (الديزل) الكبيرة الواقفة في محاذاة
العريشة، ولاحظت عندما نظرت اليه انه لا يختلف عن معظم سائي (الديزل)
الذين رأيتهم في العرائش السابقة والذين يعملون في نقل الخضار الى الرياض او
الكويت... كان جالسا على العلية رافقا ركبته الى ذقنه مطلا من فوقها بهدوء الى
الصحراء الواسعة... كان ضخماََ، قوياََ، يبدو تماسك لحمه من تحت قميصه الازرق
المتسخ بالشحم، كنت استطيع ان أعرف، دون ان أرى، ان الشعر الخشن قد ملأ
ذقنه وفودية لأنه لم يحلق منذ يومين كاملين... وكان زميله جالسا في ظله هو
الآخر، كالشبح... كانا ينظران الى الصحراء
ورغم ذلك، كنت اشعر انني غير راغب في الحديث، ولكن الصوت عاد يقول
ـ فيروز... ان لها صوتاََ رائعاََ... قل لي يا اخ... هل انت من سورية... انني اعرف
سورية... انها بلد جميلة
وقلت أجامله فيما انا أدير وجهه بالاتجاه المعاكس
ـ نعم... انها جميلة... هل انت سائق هذه السيارة؟
ـ لا... انني المعاون... او انني المسافر... انني اقول المعاون عندما نصل الى
النقطة من النقاط الحدود، واقول المسافر عند
...
غسان كنفاني، القميص المسروق وقصص اخرى، الطبعة الثانية، بيروت 1978
|