أغانى المساء

قطعة

...
كان الظلام قد لف كل شئ. وأضاء مصباح الصالة جانباََ من البلكونة. لكن أبى كان يجلس في الجزء المعتم منها. ووقعت في مدخل البلكونة أتأمله. ولم ألبث أن شعرت بالراحة. كان وجهه هادئا مسترحياََ، ونظرته وادعة سرحانة
جلست إلى جواره في صمت. كنت متعباََ. وكان هو غارقاََ في تأملاته. وبين الحين والآخر كانت عيناه تستقران على إحدى النوافذالمضيئة المواجهة لنا فيتابع ما يبدو من خلالها، وهو يجذب أنفاس سجارته متلذذاََ
سمعت حركة خلفى في الصالة. كانت أختى قد جاءت من عند أم زكية. احتضنها أبى وحمله فوق ساقيه. لكنها أعلنت أنها تريد أن تنام. فأنزلها على الأرض ووقف. وصحبها إلى الداخل. ثم عاد بعد قليل، فتناول قلة المياه التى وضعناها على سور البلكونة لتبرد، وأزاح غطاءها، وجعل يكرع الماء في صوت وادع التقطت أدناى صوت الراديو في شقة أم زكية، فقمت وأنل أقول: "أنا رايح أنام. تصبح على خير يا بابا"
كان أبى قد عاد إلى مقعده فاقتربت منه وملت عليه ثم قبلت وجنته. وقال لى: "وأنت من أهله"
عبرا الصالة الصغيرة التى لم يكن بها غير مقعد هزاز يمزق قشه من زمن، وساعة حائط كبيرة. ودخلت حجرتنا فوجدت أختى غارقة في النوم. وقد رقدت على ظهرها وتناثر شعرها الطويل حول رأسها، وثنت ساقها إلى أعلى ووضعت الثانية السرير فصعدت فوقه وتمددت بجوارها. وهبت وجهى نسائم خفيفة من النافذ الصغيرة في مواجهتى فأغمضت عينى
كنت أحب أن أنام كل ليلة في الظلام والنافذة مفتوحة وصوت الراديو يأتينى واضحاََ من شقة أم زكية، التى تجاور نافذتها نافذتنا الصغيرة
وكانت أم زكية لا تدير الراديو إلا عندما ينام أولادها وتجلس في انتظار زوجها. كان رجلاََ أسمر خجولاََ، أحول العينين، لا نكاد نشعر به، ويقضى اليوم كله بالخارج. وقد سمعت أبى مرة يتعجب مما جمع بينه وبين زوجته البيضاء الممتلئة
جاءت صوت الراديو واضحاََ، فأدركت أن نافذتهم مفتوحة، وأنصّت في ارتياح. كانت أم كلثوم في الغالب هى التى تغنى. ولم أكن أعرف ماذا تقول. ولم يحدث أبداََ أن تبينت كلمات أى أغنية، كما كنت أخلط دائماََ بين عبد الواهب ومحمد أمين وفريد الأطرش، لم أكن أهتم إلا بالمسيقى
...

صنع الله إبراهيم، تلك الرائحة وقصص أخرى، الطبعة الثانية، دار ومطابع المستقبل بالفجالة والإسكندرية، 1993

بالإسبانية فهرس مؤلفات

validator w3

1